الركن.. حيث ما تجد انتهاك حقوق الإنسان تجده أمامك يدافع عنه

الركن.. حيث ما تجد انتهاك حقوق الإنسان تجده أمامك يدافع عنه

الدكتور محمد الركن محامٍ بارز يعمل في مجال حقوق الإنسان، يعرفه الحقوقيون في الإمارات، والخليج، والوطن العربي، والعالم، فحيث ما تجد انتهاك لحقوق الإنسان تجده أمامك يدافع عنه، معتقل -حالياً- في سجن الرزين، سيبقى سبع سنوات ونصف أخرى في السجن بسبب هذا النشاط.

يأتي ذلك بعد أن صدر بحقه حكم سياسي عشر سنوات في المحاكمة المعروفة عالمياً (uae94) في 2 يوليو 2013، وقضى عشر أشهر في سجن سري تعرض خلالها للتعذيب، منذ اعتقاله صباح 17 يوليو2012م.

 قبيل اعتقاله، كان محمد الركن منشغلاً بالدفاع عن المعتقلين و بنقل أنباء اعتقالهم إلى العالم الخارجي. و كان محمد الركن، وهو عضو في رابطة المحامين الدولية، قد شغل منصب رئيس جمعية الحقوقيين بالإمارات العربية المتحدة قبل أن يتم حلها تعسفياً من قبل سلطات دولة الإمارات العربية المتحدة في ابريل 2011.

والركن يقدم المساعدة القانونية إلى ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في دولة الإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك زملاؤه من المدافعين عن حقوق الإنسان. و من بين هؤلاء كان قد دافع مؤخراً عن المدافعين عن حقوق الإنسان الذين عُرفت قضيتهم بقضية " الإماراتيين الخمسة"، و كانوا قد أدينوا و صدرت بحقهم أحكام بالسجن في تشرين الثاني 2011 بسبب عملهم في مجال حقوق الإنسان، ثم أفرج عنهم في وقت لاحق بموجب عفو رئاسي.

 يؤمن بالحقوق والديمقراطية

خلال هذه القضية عملت المحامية الأمريكية، جيني باسكواريلا، مع محمد الركن في عام 2011م أثناء المحاكمة. وتقول عنه: "كنا نلتقي بالدكتور الركن كل يوم أثناء المحاكمة – فقد كان دليلنا الكلي في قضايا حقوق الإنسان هناك، وكان يتحدث إلينا في المحكمة. وكان جواداً بوقته - كان مؤمناً حقاً بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية وإيجاد مجتمع أكثر انفتاحاً."

وتضيف المحامية: "كنا نقابله في أماكن عامة، وكان هناك من يتتبع خطواته بشكل دائم. في كثير من الأحيان كان يقول لنا: (علينا أن ننتقل من هذا المكان لأن هؤلاء الرجال يتنصتون علينا). لكنه بالرغم من ذلك لم يتوقف يوماً عن العمل حتى عندما كان الكثير من المحامين أمثاله يتلقون تهديدات بالقتل. إنها تأخذ شخصاً رائعاً للعمل في مثل هذه البيئة."

تعرض الركن بسبب نشاطه في مجال حقوق الإنسان إلى الفصل التعسفي من العمل، ووجهت له الاتهامات، و حظر السفر. كما واجه حملة تشويه و ترهيب مستمرة بواسطة الإنترنت، وعلى الشبكات الاجتماعية، و محطات التلفزيون والإذاعة، التي استخدم بعضها البرامج الحوارية و البرامج الدينية كأدوات لوصم المدافعين عن حقوق الإنسان.

يواجه المدافعون عن حقوق الإنسان في الإمارات العربية المتحدة مخاطر جسيمة أثناء محاولتهم أداء عملهم في بيئة معادية. و يُعتبر الأشخاص الذين ينتقدون سياسات جهاز الأمن أو يقومون بفضح انتهاكات حقوق الإنسان بمثابة تهديد أمني و يتم استهدافهم من قبل أجهزة الدولة، بما في ذلك الشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى التي تقوم بدور رئيسي في قمع عمل المدافعين عن حقوق الإنسان.

ويقول الركن في برنامج على قناة العربية معلقاً على كتاب (الحرية للبيع) إن ملاحقة الشرطة ومراقبة السياسيين ليست جريمة، فمارتن لوثر كينج كانت وكالة الإف بي آي تراقبه ولديها ملفات كبيرة تدينه، ثم أكتشف لاحقاً أنه أكثر وطنية من كثيرين.

وعن علاقة الأمن بالحرية يقول الركن: الأمن والحرية قيمتين ضروريتين لكل إنسان، لكن كيف ننظم ذلك، وجد القانون لتنظيم الحريات لا توجد حريات مطلقة، فالإرهابيين لا يظهرون إلى السطح.

حصل الدكتور محمد الركن على جائزة الكرامة لحقوق الإنسان لسنة 2012م، وكذلك اعتبرته مجله فورين بوليسي أحد فرسان الحرية في العالم لعامين على التوالي إلى جانب زميله المعتقل الدكتور محمد المنصوري.

أحمد منصور، ناشط بارز في مجال حقوق الإنسان دافع عنه محمد الركن أثناء محاكمة الإماراتيين الخمسة في عام 2011م يقول عن الركن: "عندما تقدمنا بعريضة المطالبة بأن يكون البرلمان منتخباً من قبل الشعب، قمنا بتقييم مساهمة الدكتور الركن بوضوح. إنه بارز جداً في مجال حقوق الإنسان ويعرف تقلبات ما يحدث في المنطقة، إنه ثقة."

مديرة مؤسسة مد الجسور أمال فان تقول عنه: "الركن ليس محسوب على أحد اللبراليين يحسبونه واحد منهم، الشيوعيون يحسبونه واحد منهم، والمحافظون يحسبونه واحد منهم، الركن يمثل المجتمع الإماراتي بكل تعدده."

خسارة كبيرة لدولة الإمارات

يشير أحمد منصور عن الركن أنه دافع لسنوات عدة عن حقوق الإنسان في دولة الإمارات. "كان في بعض القضايا يتم مضايقة الناس بسبب خلفياتهم الفكرية من ثم ينتهي بهم المطاف إلى إحالتهم على التقاعد أو إجبارهم على ذلك. وقد كان الشخص الوحيد الذي يقبل مثل هذه القضايا، ليس حباً في المال وإنما من دافع إيمانه بحقوق الإنسان." قال منصور.

ويعتبر أحمد منصور اعتقال الركن أمراً فظيعاً. "فشخص مثله ينبغي أن يتبوأ منصب مستشار لأعلى سلطة في البلاد. ولا يتوجب على مثله قضاء يوم واحد في السجن. قبل اعتقاله بأسابيع قليلة، قام أحد أعضاء الأسرة المالكة في أبو ظبي بالتشاور معه في مسألة داخلية. فكيف يتخبطون هكذا؟"

ويضيف: "إنها خسارة كبيرة بالنسبة لدولة الإمارات أن لا يكون هذا الرجل متاح لنا. فإيداع هذا الرجل في السجن يؤدي إلى عدم وجود من يدافع عن هذه القضايا. أريد إطلاق سراحه اليوم - في الواقع كان ينبغي الإفراج عنه بالأمس لا اليوم."

المعتقل السياسي السابق ناصر غيث الذي اعتقل ضمن الإماراتيين الخمسة قال عن الركن: "إنبرى للدفاع عني في قضيتي عندما كان مجرد الاقتراب مني يشكل جريمة ولم يأخذ على ذلك درهما واحدا".

 لا يمكن ألا تزور الركن

عمل لامري تشيروف -الباحث في منظمة العفو الدولية-  مع محمد الركن على مدى سنوات عدة ويقول عن زميله: "لا يمكنك الذهاب إلى دبي ولا تقوم بزيارة الدكتور الركن. فقد كان أحد رواد أعمالنا في منطقة الخليج. وكلما كنا نسأله عن رأيه في بعض جوانب القانون، كان يقدم لنا رأيه دائماً دون مقابل. فبدونه وأمثاله، فإن منظمة العفو الدولية لن تكون معروفة في الخليج."

تشيروف يقول عن الركن: "كان شخصاً مفيداً - فكلما كنا نقوم بتنظيم أي نوع من الأنشطة في المنطقة، كنا نجده دائماً فيها. في مرة من المرات كان لدينا مشروع كبير في مجال حقوق المرأة في الخليج، كان الركن فيها ذو أثر في الحصول على الدعم."

ويضيف: "لا يمكنك أن تعيبه في أمر ما من الأمور. إنه نشط جداً، ويكتب دائماً، ويحضر الندوات ويتخذ الإجراءات. إنه رجل ديناميكي جداً. كان لديه حس الدعابة والفكاهة بشكل كبير أيضاً. آمل أن تلك الدعابة والفكاهة لا تزال فيه الآن على الرغم من قضائه في السجن لفترة طويلة."

 هَمّ وطن

لاينكر الإماراتيون ما قام به الركن تجاه قضاياهم الحقوقية والمصيرية كتلك المتعلقة بالجزر الإماراتية المحتلة من إيران، وبعثته الدولة في العديد من الفعاليات الدولية لتمثيل الإمارات أمام المجتمع الدولي، في وقت كان جهاز الأمن يرسل (تعميمات) إلى  وسائل الإعلام الإماراتية المحلية تطالبهم بعدم ذكر أي خبر زيارة إيرانية للجزر المحتلة .وفي الوقت الذي كانت تدعيّ إيران فيه أن لها حقاً جزئياً في الجزر الإماراتية، كان يقف الدكتور الركن معارضا تلك الإدعاءات الكاذبة عبر مختلف سائل الإعلام، بل كان يطالب الحكومة الإماراتية أن تعلن مقاومة ضد الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية.

الجزر الإماراتية المحتلة كانت أول ما تفوه به الركن –قبل الدفاع عن نفسه- أمام هيئة المحكمة في 20 مارس 2013 عندما سمح له القاضي فلاح الهاجري بالحديث فقد أعرب عن رفضه لزيارة وفد إيراني لجزر الإمارات المحتلة،  والتي اقترن اسمه  بهذه القضية الوطنية، ذلك أن الدولة  أوفدته في أكثر من مناسبة  للدفاع عنها وإبراز وجهة نظر الإمارات القانونية حول الجزر المحتلة، واستغرب من اتهامه اليوم بالولاء المزدوج.

وبعد حادثة الإمساك برجال من المخابرات الإيرانية في الكويت علق الركن بالقول: إيران لديها الرغبة في إشعال الصراع بالمنطقة، ولا نريد الاستفزازات المستمرة من السياسيين الإيرانيين، الإيرانيون لا يريدون بناء الثقة، إيران ليست الناطقة بإسم الشيعة في العالم، هي مصالح قومية إيرانية تريد تنفيذها.

لا تفقد الأمل

وهناك الكثيرون الذين تحدثوا عن الركن فطلاب الجامعات وبرلمانيون في بريطانيا وألمانيا وأكاديميون ومحامون دوليون وقفوا ضد اعتقال الركن وطالبوا بالإفراج الفوري عنه دون شروط إلى جانب الأمم المتحدة التي وصفت الحكم عليه ب(السياسي) إلى جانب العشرات من رفاقه.

وكأبرز الحملات الدولية التي حصدت تضامناً دولياً واسعاً حملة "ليتك بيننا" وتزينت شوارع أوروبا بحملة التضامن التي أطلقتها منظمة العفو الدولية "امنستي"، ورفع الناشطون الحقوقيون صورهم على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" على الوسم: (#wishyouwerehere)، و وصلت لمقر منظمة العفو الدولية آلاف الرسائل التضامنية من قبل ناشطين دوليين ومتضامنين، من بينها رسالة طفل كندي دعا فيها الركن: "ألا يفقد الأمل".

يتوج جهاز أمن الدولة إنجازات الركن وحب الشعب له، بتعذيبه في السجون الرسمية، و وضع مرتين العام الماضي في زنزانة انفرادية بسبب مطالبته مقابلة مسؤول إماراتي للحديث عن الانتهاكات في السجون الرسمية التي يتعرض لها هو وزملاءه.

خلّد الدكتور محمد الركن سطور من نور في قلوب الإماراتيين، وفي تاريخها الحديث، بحمله هموم شعبه، وأرضه، وتمثيل قضايا بلاده داخلياً وخارجياً، ويتساءل الإماراتيون: متى سيرون الركن مجدداً.

رابط مختصر : http://alislaah.net/post/147